المنجي بوسنينة

129

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

الرجال . . وإليه كانت الرحلة في عصره للأخذ عنه . وأخذت عنه كثيرا ، وانتفعت به في الحديث كل الانتفاع وحضّني على هذا التاريخ ( أي التكملة ) وأمدني من تقييداته وطرفه بما شحنته به . تولّى خطة الكتابة ببلده بلنسية ، في عهد أبي عبد الله حفص بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن ( 620 ه / 1223 م ) الذي عينه الخليفة الناصر واليا على بلنسية سنة 607 ه / 1210 م ثم ابنه أبو زيد حسبما ورد في « أزهار الرياض » ، وذلك قبل سنة 626 ه / 1228 م ، تاريخ احتماء أبي زيد بملك الأرقون جاقم الأوّل ولجوئه إليه ، هربا من أبي جميل زيان بن مدافع بن مردنيش الذي سيطر على المدينة . وبعد أن عيّن على قضاء دانية سنة 633 ه / 1235 م ، عاد من جديد إلى بلنسية ، فألحقه ابن مردنيش بحكومته . وإبان محاصرة ملك الأرقون لبلنسية في شهر رمضان 635 ه / أفريل 1238 م ، أرسل ابن الأبار على رأس وفد إلى مدينة تونس مستنجدا بأبي زكريا الحفصي . وفي 4 محرّم 636 ه / 17 أوت 1238 م ألقى أمامه قصيدته السينية الذائعة الصيت ومطلعها : أدرك بخيلك خيل الله أندلسا * إن السبيل إلى منجاتها درسا مستغيثا به لتخليص بلنسية من الحصار . فأرسل زكريا الدعم إلى الأندلس ، لكن بلنسية كانت قد سقطت في يد القطلان ، وغادرها ابن مردنيش . وتبعه ابن الأبار قاصدا بجاية ، وذلك بعد تسليم المدينة . عاش ابن الأبّار المرحلة الثانية من حياته بإفريقية ، إذ استدعاه السلطان أبو زكريا الحفصي من بجاية إلى مدينة تونس ، وولاه الكتابة . لكن متاعب ابن الأبّار لم تنته عند هذا الحدّ ، إذ بدأت محنته مع السلطان الذي عزله لوشاية ما ، وعيّن بدلا منه أبا العباس الغساني الذي كتب العلامة بالخط المشرقي مما أدّى إلى سخط ابن الأبّار ، وتصرّفه بأنفة . وهو ما أغضب السلطان الذي أمره بملازمة منزله ، فألّف كتاب « إعتاب الكتاب » وأهداه إياه ، فغفر له زلّته وأعاده إلى منصبه . وظلّت حظوته كبيرة لدى المستنصر الذي خلف أباه بعد وفاته ، إذ سماه حبر قضاعة ، حسبما ذكر ذلك التجاني [ رحلة ، ص 376 ] . فكان أبو عبد الله محمد يحضر مجالسه ويقوم بدور سياسي هام . وقد عرف باعتداده بنفسه وطموحه ، وبسرعة غضبه وتبرّمه كذلك في زمن الهجرة عن الأوطان والغربة . وهو ما جعله عرضة للدسائس في بلاط شهد تنافسا بين الأندلسيين وشيوخ الموحّدين ، فاتّهم بهجائه للسلطان وبقوله : طغا بتونس خلف * سمّوه ظلما خليفه ويذكر المقري في نفحه أنّ تأليف ابن الأبار لكتاب التاريخ هو الذي أدّى إلى سخط السلطان عليه . ومهما يكن من أمر ، فقد كان هذا العالم ضحية حرية فكره وطموحه السياسي من جهة واستبداد السلطان من جهة ثانية . وانتهت حياته بمقتله ، رميا بالرماح في شهر المحرّم ( 658 ه / 1260 م ) ، وبحرق مصنّفاته .